Monday, June 04, 2012

أصداء السيرة الذاتية


My rating: 5 of 5 stars
يصعب التعامل مع كتاب أصداء السيرة الذاتية للأديب العالمي نجيب محفوظ كباقي مؤلفاته ، ذلك لأنه أقرب للقطع الأدبية المركزة والمقتصدة والمكثقة تعتمد على الرمزية ، كانت تنشر له بشكل إسبوعي فى جريدة الأهرام عام 1994 تحت عنوان أصداء السيرة الذاتية ثم تم جمعها فى كتاب واحد فيما بعد

عندما تقرأ هذا الكتاب البديع تشعر أنك فى حضرة روح رجل تقدم به العمر فزينت الأيام قلبه بالحكمة وعقله بالرجاحة وقلمه بالجمال ، رجل ذاب في الدنيا وذابت الدنيا فيه ، تشعر أنك تلمس بقلبك ملمس تجاعيد الوجه المهيب وروعة المعاني وسلاسة الأسلوب ، إنها ملخص التجربة وخلاصة الحياة وعصير الأيام وعصارة الحكمة لرجل يدرك ان ما هو آت من العمر لن يكون أطول مما مضى منه ، وأن المستقبل لن يكون بقوة الماضي ، فيهديك جرعة مكثفة من أيام حياته الحافلة

إنها تجليات الأديب الكبير صاحب القلم الثري الموهوب الذي كتب وأبدع وعُرف ونال شهرة واسعة ، هذه الأصداء مثل أمواج المشاعر العذبة التي تجعلك تفكر بقلبك وتشعر بعقلك ، لتحملك هذه الأمواج فى ترنح عجيب بين الماضي والحاضر .. الخير والشر .. العدل والظلم .. الحب والكراهية .. النور والظلام .. الأُنس والفقد .. البداية و النهاية .. الحياة والموت .. الدنيا والآخرة .

لا تعتبر “أصداء السيرة الذاتية ” سيرة ذاتية لنجيب محفوظ ، فقد رفض أن يكتب سيرته الذاتية مبرراً ذلك بقوله : “هناك عشرات المقابلات معي في مختلف وسائل الإعلام و لا حاجة توجد لكتابة سيرتي الذاتي” ، ولكننا نجد حياته موجودة ومختزلة فى كل لقطات الأصداء من خلال شخصية ” عبد ربه التائه ” التي ظهرت فى الثلث الأخير من الكتاب

ذلك الرجل الذي كان ينادي ” ولد تائه يا ولاد الحلال ” ولما سُئل عن أوصاف الولد المفقود قال : ” فقدته منذ أكثر من سبعين عاماً فغابت عني جميع أوصافه. فعُرف بعد ربه التائه . وكنا نلقاه فى الطريق أو المقهى أو الكهف ، وفي كهف الصحراء يجتمع بالأصحاب حيث ترمي بهم فرحة المناجاة في غيبوبة النشوات ، فحق عليهم أن يوصفوا بالسكارى وأن يسمى كهفهم بالخمارة . ومنذ عرفته داومت على لقائه ما وسعنى الوقت وأذن لي الفراغ ، وإن فى صحبته مسرة ، وفي كلامه متعة ، وإن استعصى على العقل أحياناً. “

هكذا كان التعريف المناسب للشخصية الممثلة لذاته ، ثم يخرج لنا عبد ربه التائه بكلامه الحكيم الممتع والمفيد على مدار الكتاب ، عن طريق حوار تخيلي بين الراوي والشيخ عبد ربه التائه، فتجده يحدثك تارة عن السياسة عندما يقول: “سألت الشيخ عبد ربه التائه : متى يصلح حال البلد؟ ، فأجاب : عندما يؤمن أهلها بأن عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة “

ويحدثك عن الرحمة تارة أخرى قائلاً : “سألت الشيخ عبد ربه التائه: كيف لتلك الحوادث أن تقع فى عالم هو من صنع رحمن رحيم؟ .. فأجاب بهدوء : لولا أنه رحمن رحيم ما وقعت ! ” ، ثم يحدثك عن الشكر قائلاً: “قال الشيخ عبد ربه التائه: الحمد لله الذي أنقذنا وجوده من العبث فى الدنيا ومن الفناء فى الآخر”

ويحدثك عن الدنيا والآخرة قائلاً: “قال الشيخ عبد ربه التائه: إذا أحببت الدنيا بصدق ، أحبتك الآخرة بجدارة ” ، ويحدثك عن معنى الحياة قائلاً: “قال الشيخ عبد ربه التائه: جاءني قوم وقالوا إنهم قرروا التوقف حتى يعرفوا معنى الحياة ، فقلت لهم تحركوا دون إبطاء ، فالمعنى كامن فى الحركة” ، ثم يحدثك عن الموت قائلاً: ” عندما يلم الموت بالآخر ، يذكرنا بأننا مازلنا نمرح فى نعمة الحياة ” .

لا شك فى وجود غموض فى بعض الأصداء ، ولكنه غموض باعث على التفكر والتأمل والتدبر، كما قد تصيبك الحيرة عند قراءة هذه الأصداء ، فتارة تشعر أنك أمام نص فلسفي عقلاني مُحكم كُتب على يد أحد كبار الفلاسفة ، ثم ما تلبث أن تشعر أنك أمام نص صوفي روحاني صافي كُتب على يد أحد كبار أعلام الصوفية ، ذلك التأرجح بين العقل والروح أو المادة وما وراء المادة بإسلوب سلس بسيط يخلو تماماً من التعقيد ويقترب من النفس البشرية

ورغم أن هذه الأصداء لم تحظى بالشهرة التي حظيت بها أعماله الأخرى إلا إن النقاد وجدوا أن أصداء السيرة الذاتية تعتبر من أهم ما كتب وتمثل خلاصة فنه و تجربته و خبرته ، لذلك أدعوك صديقي خصوصاً ونحن نحتفي بئموية نجيب محفوظ أن تقراءة هذا الكتاب لتسمتع وتتعلم .. وتندهش!


Saturday, June 02, 2012

إسود على كل ظالم !


دعني أحدثك عن لحظة عجز اللسان عن النطق والكتابة عن الوصف .. تلك اللحظة التي تدخل فيها نفق الكهولة وانت في عز شبابك .. عندما تجد كل النوافذ مغلقة وكل الآمال سراب لا يهمه سوى تضليلك وإيهامك بوجوده .. فتصدق وتطمأن وتقول لنفسك: الحمد لله عملنا ثورة .. ثم تمشي أكثر في طريق الفرحة تجد السراب الكاذب يتلاشى ويختفي وتظهر الأشواك تحت أقدامك كثيرة ومتشعبة ومؤلمة إلى حد الموت


إنه الظلم المر الذي يُصب فوق رأسك صباً فلا تستطيع الشكوى أو التألم .. إذا نطقت قالوا تخرب البلد وممول وأجندة خارجية .. تنوي خيراً فتجد الأشواك تزداد وعيون الجميع تنظرلك وتتوعد .. لو نطقت مرة أخرى تبقى مش عايز إستقرار في البلد !


تصمت وتمضي آملا في صندوق نزيه فتجد الصندوق فارغ خاوي من كل الأصوات إلا صوت صرخاتك ... تُسكن آلامك علك تحصل على قصاص أصدقائك فلا تجد قصاص ولا هواء للتنفس .. الكل بريء إلا أنت .. لا توجد أدلة سوى على تخريبك للبلد .. هم لم يفعلوا شيئا .. هم ليسوا من البشر بل ملائكة لا تخطئ وانت وحدك صاحب عيون ترى أوهام ما أنزل الله بها من سلطان 


 مال ميزان العدل فوقع الأمل من فوقه مقتولا سابحاً في دماء برائحة المستقبل والحلم والحب لشاب قُتل يوم 28 يناير إسمه أحمد إيهاب .. العريس الذي تزوج ثلاثة أشهر فقط ثم مات !


تتخيل أحمد عريس في الزفة ثم تراه مقتولا بجواره صورة لقاتله يبتسم إحتفالاً بحكم البراءة .. تنعدم الرؤية فجأة وينتشر الظلام في ارجائك كما تنتشر رائحة خبيثة تُصر على الوصول إلى أنوف الجميع .. وحدك تبكي .. تصرخ .. تخرج .. تثور .. والله من ورائهم محيط
 

Thursday, May 24, 2012

يوم إنتخاب الشهيد

بدأ اليوم بأحلام عديدة .. رأيت حمدين صباحي وأبو الفتوح وأجواء متداخلة أدت إلى إستقاظي من النوم .. حاولت جاهدة العودة للنوم مرة أخرى ولكن عيني أخذت قرار بالإستيقاظ .. دائما ما تكون لحظة الإستيقاظ لحظة مفصلية تتعرف على كل شئ حولك من جديد وتبحث عن إجابات أسئلة وجودية من نوعية من أنا؟ وأين أنا؟ وماذا أفعل هنا؟ 

نظرت في الموبايل وجدت الساعة 8 ، إذن جاء النهار .. ولكنه ليس مثل أي نهار لدي مهمة وطنية لابد أن أنفذها ويجب أن أصوت في الإنتخابات 

جاء يوم الحسم ولابد أن أقرر من سأختار .. إن سألتني من سنة ماضية كنت سأجيبك بثقة بالغة: أبو الفتوح طبعااااا ، وإن سألتني من إسبوعين سأجيبك بثقة أبلغ: حمدين طبعاااااااا ... وإن سألتني صباح اليوم ستجدني أغرد على تويتر: ركز يا ضميري وخليك صاحي .. أنتخب أبو الفتوح ولا صباحي؟ 

في الطريق حاولت عصر عقلي وأفكاري لأرسى على مرشح بعينه ولكن المصيبة إن كل الأفكار دخلت في بعضها البعض فلم أخرج من المحاولة إلا بأفكار لوذعية خرافية لا تمت للواقع بصلة .. تمنيت أن أقف أمام اللجنة وأبحث عن البطاقة فلا أجدها لأريح نفسي من عذاب الضمير ولكن للأسف البطاقة معايا .. والبضاعة كمان معايا 

كثافة البوسترات دارت بي عبر الزمن .. عقلي إستبدل كل صور المرشحين بصور الشهداء .. أحمد بسيوني ومينا دانيال والشيخ عماد عفت وغيرهم وغيرهم .. منعت دموعي بشق الأنفس وإتجهت نحو المدرسة كالمغيبة لا أدري ماذا أفعل .. رأيت نساء منتقبات ينتشرن حول المدرسة ويوقفن النساء في الشارع ليقنعوهن بمرشح معين .. كنت أود أن أقول لهن: إرحمونا بقى ، ولكني لم أفعل ... إستمريت حتى باب المدرسة ورأيت أفراد الشرطة العسكرية يقفون أمام الباب وتمنيت لو أقول لهم: حسبي الله ونعم الوكيل ولكن صوتي اختفي حينها في ظروف غامضة 

دخلت اللجنة .. دونت رقم اللجنة ورقمي في الكشوف على الموبايل .. عندما سألتني الموظفة عن رقمي في الكشوف كنت سأعطيها الموبايل ! ، إنتهت الإجراءات ووقفت أمام ورقة عليها صور مرشحين ورموز ومطلوب مني أن أختار .. دققت في الوجوه وجدت عقلي يستبدلها هي الأخرى بصورة خالد سعيد .. الشاب السكندري الجميل الذي زارني في منامي بعد إستشهاده بإسبوع .. كأن الوقت لم يمر وكأننا في أواخر عام 2010 نقف بالملابس السوداء على الكورنيش حداداً وغضباً وتمشي بجوارنا عربات الحزب الوطني بالأغاني الصاخبة يتجمع حولها الأطفال ليرقصوا ويوزعوا عصائر مثلجة على المصيفين والعابرين بالسيارات 

تأكدت من إسم مرشح بعينه وإجتهدت في وضع علامة صح أمام إسمه .. فأنا استخدم يدي اليسرى والصح الخاصة بي ليست كالصح الطبيعية .. إجتهدت في جعلها طبيعية .. رسمتها بمعنى أصح .. طويت الورقة بإحكام ووضعها في الصندوق البلاستيكي الممتلئ .. ثم غمست إصبعي في الحبر الفسفوري وخرجت أبكي !ا

Wednesday, May 23, 2012

رياح الأمل

أيا رياح الأمل هُبي على قلبي الحزين 
وحركي ستائره المتربة بيأس السنين
 حتى نذهب للسوبر ماركت
 ونشتري صابون سائل 
وننفضه سوياً تنفيضة العيد

Monday, May 07, 2012

حريم السلطان وحريم الغلبان

قام صناع الدراما الأتراك بإنتاج مسلسل تاريخي "ملحمي" كما تصفه قناة الحياة إسمه (حريم السلطان)  وإختلفت التفاسير حول هدف هذا المسلسل الملحمي ، هل للتذكير بفترة ذهبية من تاريخ الدولة العثمانية الإسلامية تحت حكم السلطان سليمان القانوني الذي يعتبره المؤرخون الغربيون أحد أعظم الملوك على مر التاريخ ، أم لرصد كيف كانت الحياة اليومية داخل هذا القصر المهيب وبالتحديد مكائد حريم السلطان للفوز بقلب هذا الملك العظيم وبالتالي الفوز بالسلطة والنفوذ ، وأيا كانت الأسباب فهي لن تفيد بعد حدوث الكارثة وعرض المسلسل على المواطن المصري الغلبان الذي أسمع أنينه وحرقة قلبه كلما تتابعت الـ48 حلقة أمامه الواحدة تلو الأخرى ، حرقة القلب تلك ليست بسبب إعلانات قناة الحياة بالطبع فذلك شئ تعود عليه المواطن منذ زمن وأصبح أمر واقع كبقاء المجلس العسكري في السلطة تماما.

فكر معي يا صديقي ، لما لا يحترق قلب المواطن وهو يشاهد ذلك السلطان الذي تربع على عرش السلطة وهو في الخامسة والعشرين من عمره بينما يبلغ المواطن من العمر خمسة وثلاثين ومازال يبحث عن وظيفة ، كيف يشاهد هذا السلطان الرياضي ممشوق القوام أزرق العينين الذي لا يفكر في مرتب آخر الشهر أو إرتفاع أسعار السلع والمنتجات بكافة أنواعها.  

كيف يشاهد مثلا إبراهيم باشا صديق السلطان الذي يتعامل بمنطق الكفاءة ويصبح الوزير الأول للدولة العثمانية رغم إنه غير عثماني على الإطلاق ولا يطلب منه دليل أن أمه لا تحمل الجنسية الأمريكية ، بل ويزوجه السلطان أخته بينما يُطبق الحد على زوج الأخت الأخرى للسلطان ويُعدم لأنه إستغل منصبه ونفوذه وسرق وقتل المواطنين !!!

كيف ينام الليل مواطن سُحل وسُرق وقُتل أصدقائه وهو يرى رد فعل السلطان عندما تمرد عليه الجيش الإنكشاري ليزيد من رواتب الجنود ونهب وقتل وخرب في البلد مستغلاً سفر السلطان للصيد وعندما عاد السلطان قام ببساطة بقطع رقبة القائد الأعلى للقوات المسلحة .. معذرة أقصد القائد الأعلى للجيش الإنكشاري ومساعديه وهو يؤكد أن أمن المواطن أهم حتى من الجيش نفسه !

ثم كيف يصمت المواطن وزوجته المواطنة أمام هويام المرأة الجميلة الشقراء تلك التي لا تتحدث مع السلطان أبدا عن خرم الميزانية المزمن أو عن مصاريف البامبرز المتصاعدة أو في صراخ الأطفال اللامتناهي أو عن جبال المواعين التي تتكاثر ذاتيا ، تلك الفتاة التي تنجب للسلطان في كل سنة طفلا جديدا وعاشت وماتت وهي لم تسمع طوال حياتها عن حملة سوزان مبارك لتحديد النسل والتي لو رأى السلطان إعلان واحد لتلك الحملة لكان أمر بقطع رقبة السيدة الأولى وأراح البلاد والعباد من ذلك الهم الثقيل.

زوجة السلطان التي تخشى زعل السلطان لا لأنه يمكن أن يتركها كالبيت الوقف أو يطلقها ويعيدها لبيت أهلها فتجرجره هي بدورها في المحاكم وتلفق له قضية تبديد منقولات بعد ما وافق تحت تأثير الحب على التوقيع على القائمة ، بل تخشاه لأنه يمكن أن يقوم بذبحها وقطع عنقها ببساطة متناهية ولا عزاء لجمعية المرأة المتوحشة.

الخلاصة يا سادة يا كرام .. كيف نعرض مسلسل عن سلطان حياته عبارة عن حب وإنجاب ومجوهرات ، تتهافت عليه النساء ويقضي كل ليلة مع إمرأة جديدة أمام مواطن يناااااضل من أجل توفير ثمن دبلة؟! .. أين الإنسانية؟ أين الرحمة؟ أين الشفقة؟ أين الريموت كنترول؟!