يقولون أن الكتاب الجيد هو الذي تشعر بعد قراءته أنك فقدت صديق عزيز ، هذا تحديداً ما أشعر به الآن ، ولدي رغبة قوية تدفعني لكي أنظر لبداية الطريق لأعود وأسلكه من جديد فاقرأ ليحيى حقي مرار وتكرار دون كلل أو ملل
الكتاب عبارة عن مقالات 30 مقالة كتبها يحيى حقي في عدة جرائد ومجلات وجمعها في كتاب واحد ، المقال الأول في به سيرة ذاتية للكاتب بقلمه تحت عنوان اشجان عضو منتسب ، هي سيرة ذاتية بالفعل ولكن يمكن اعتبارها عمل أدبي منفصل بذاتها لجمال وحلاوة صنعها كأنه لا يكتب بل يغزل بالحروف لنقرأ قطعة فنية غاية في الروعة والإبداع .. دُهشت لكونه من أصل تركي وغير مصري ومع ذلك يعتبر راهب عاشق في معبد اللغة العربية شديد الاندماج بتربة مصر وأهلها ، تعدت سيرته الذاتية للحديث عن تطور فن القصة في مصر وانتقالها من اسلوب الوعظ والارشاد والخطابة الى اسلوب يصلح للقصة الحديثة كما وردت من اوربا .
أعجبت بوصفه للكاتب بالبوق عندما قال: أصبحت الآن أحس إحساساً واضحاً قوياً أنني لست إلا بوقاً ، لا قيمة له في ذاته ، ولكن قيمته أن إرادة لا ندري سرها إختارته لكي تهمس منه – على تقطع – سليقة اللغة والتراث مختلطة بأشجان الإنسان منذ أعز أجدادي – ساكن الكهوف – حتى اليوم .
يدخلك عالم لم تعاصره على الإطلاق عندما يحكي لك مشقة الخطوات الأولى لفن القصة القصيرة في الأدب العربي الذي أقتبس في البداية من الأدب الغربي ، وكيف أن القصص في البداية كانت باللغة العامية ، ليس هرباً من مشقة الفصحى وحسب بل لكي يكون الأدب معبراً عن المجتمع بصدق ، ثم حدث التحول إلى اللغة العربية لأنها " الأقدر على بلوغ المستويات الرفيعة ، على ربط الماضي بالحاضر ، على توحيد الأمة العربية " .
ثم تحملك باقي المقالات في قطار من اللغة الراقية والأسلوب المُدهش والتجربة الفريدة ليوصلك لعالم يحيى حقي الأدبي المميز ، تعيش معه منذ الطفولة وشقشقة فجر أيامه في البيت وفي المدرسة ثم الجامعة ، وصولاً لعمله في السلك الدبلوماسي ، وتجربة سفره إلى جدة فيسمح لك أن ترى كيف كانت الحياة في جدة عام 1929 من خلال مذكراته عنها ، ثم سفره إلى تركيا ثم إيطاليا فتجرب معه أول لقاء يجمعه بالحضارة الغربية ، مروراً على تجربة فقد زوجته ، حتى تصل معه إلى سن المعاش .
كنت اقرأ الكتاب على مهل كأنني أشرب عصير جميل أخشى أن ينتهي قبل أن أشبع وفي نفس الوقت كنت أركز كأنني أذاكر كل لفظ يكتبه ، ضحكت وأنا اقرأ بعض المقالات وإبتسمت مع البعض الآخر لرقاقة طبعه وجمال شخصيته ، وكعادة الدنيا فكل جميل فيها ينتهي .. إنتهى الكتاب بعد أن وقعت في حب الدكان وصاحبه والكُناسة بذات نفسها .
الكتاب يستحق الخمس نجوم بجدارة .. لغة عربية تعدت مرحلة الجمال وأخذت تبهرني سطر تلو الآخر وصفحة تلو الأخرى .. سعيدة بكونها أول تجربة لي في عالم يحيى حقي
القصص عجيبة في جذب القارئ وإدماجه في عالمها حتى اذا ما انتهت تجدك غير راضي على انتهائها بهذه السرعة ، دهشتني لغته العربية السليمة واحترافه الكتابة والتعبير والتشيبهات المتتالية والممتعة في ذات الوقت .. لم انزعج ابدا من التشبيه المستمر فكل تشبيه يجعلك تشعر بعبقرية الخيال واللغة والفن والفكرة .. الكتاب صغير نسيبا لكني قضيت في قرأته شهر كامل حتى اهضمه جيدا واستوعب جماله .. هناك جُمل بعينها تستحق القراءة مرة ومرة وفي كل مرة تجد طعم جديد جميل .. كل سطر يصلح ان يكون قول مأثور
لم أخرج من الكتاب متعلقة بالقصص مثلما تعلقت بالكاتب وبإسلوبه السهل الممتنع ولغته الحية السلسلة ، تقرأ وكأنك تلميذ تدرس لغة وأدب وفن وتتعجب من شطارة المُعلم وقدرته الفذة على الكتابة ، حتى انك بالكاد تجد لفظ متكرر في القصة الواحدة فبحر اللغة عند يحيى حقي متجدد ولا ينضب أبدا ، يعطيك منه بكرم ولا يتوقف فتشرب انت لغة عذبة جديدة على اذنك ومختلفة
قال يحيى حقي في هامش ( قنديل أم هاشم ) : مكثت أكثر من أسبوع أبحث عن الكلام الذي ينبغي أن ينطق به إسماعيل في هذا الموقف ، وقد أحسست أنه يجب ألا يزيد عن لفظ واحد ، إذ ليس من المعقول أن ينطق بجملة طويلة وهو في تلك الحال . وأردت أن يكون هذا اللفظ معبراً عن الأنين وعن الرغبة في البوح وفي الاستعطاف وفي تأكيد الإنتماء .. وبينما انا حائر في البحث عن الكلمة المناسبة إذ تذكرت نصاً كنت قرأته عن حياة الفيلسوف الألماني ( نيتشة ) وبقى منه في ذهني أنه حين أصيب بلوثة الجنون هبط من بيته الذي كان يقع فوق قمة جمل مرتفع وهو يصرخ: ( أنا .. أنا .. أنا ). عندئذ أدركت أن هذه هي الكلمة التي كنت أبحث عنها ، لانها تجسد كل المعاني التي طلبتها ، خاصة وأن حرف النون فيه نغمة الأنين . ولعل الذي قادني إلى تذكر هذا النص أن إسماعيل في هذا الموقف كان هو الآخر قريبا من الجنون . وهكذا يتأكد اعتقادي بأن الذي يضفي على النص الأدبي قدراً من قيمته هو إشاراته الخفية إلى أعمال أدبية أخرى ممتازة . فكأن للأدب كياناً متكاملاً اشترك في تشييده كل من سبقونا ومن يعاصروننا من كبار الكتاب في كل اللغات .
هكذا تجدك تتعلم فن الكتابة على أصوله قبل ان تستمتع بالقصة كقصة ، فهو أول كاتب اجده مشغولا في كتاباته بتعليم الجيل الجديد كيف يكتب ويبدع ، وهذا بديهي ومنطقي بالنسبة ليحيى حقي لانه ذكر في سيرته الذاتية ان الفنان الصادق هو الذي يشعر أن المعبد أو الهيكل الذي يعيش فيه يجب أن يستمر وأن يسلمه جيل إلى آخر.
قنديل أم هاشم: بسيطة وراقية ، أعجبت بوصفه لحي السيدة زينب والمقام كما أعجبت بوصفه للقنديل عندما قال " كل نور يفيد اصطداما بين ظلام يجثم وضوء يدافع ، إلا هذا القنديل فإنه يضئ بغير صراع " ، وكلمته عن الحب: " إن المحب لا يقيس ولا يقارن وإذا دخلت المقارنة من الباب ، ولى الحب من النافذة "
السلحفاة تطير: تعجبت من اسلوبها حيث ذكر الكاتب انه استخدم في كتابتها الشكل الدائري للقصة ، فانتهت القصة حيث بدأت !!
كنا ثلاثة أيتام : خفيفة تتعجب من الأقدار وأفعالها .. يمكن تلخيصها في المثل القائل: راح يصطاد .. صادوه
القديس لا يحار: أعجبني فيها حيرة الانسان بين التقرب لله والإنقطاع لعبادته وبين غريزته الإنسانية وإستمتاعه بالحياة
بيني وبينك: قصيدة نثرية للحبيب الضائع .. لم تعلق في ذهني لاني غير متعودة على القصائد النثرية بشكل عام
كن .. كان: ما اجملها وأروعها؟ نموذج لنسيج أدبي مصنوع بإحكام وإتقان ، الفكرة والوصف والخيال والحبكة والمتعة والفائدة ... غاية الإبداع والجمال حقاً ، ان تصنع فن جميل ومفيد في ذات الوقت .. احتفظت من القصة بهذا الوصف : فوقه سماء القاهرة تكاد الروح ترشفها من فرح صفائها. تناثرت فيها نجوم لامعة وأخرى خابية ، لا يكاد النظر يستوعبها في مواقعها ، حتى تجد الأذن أن هذه النجوم المبعثرة مختلفات الألوان ينظمها نغم حلو جميل . لكل لون منها نصيب في إيقاعه ، ولكنه نغم خاف تشعر به الأذن ولا تتبينه ، كأنما هي أيضا عين ترى ولا تسمع .
يصعب التعامل مع كتاب أصداء السيرة الذاتية للأديب العالمي نجيب محفوظ كباقي مؤلفاته ، ذلك لأنه أقرب للقطع الأدبية المركزة والمقتصدة والمكثقة تعتمد على الرمزية ، كانت تنشر له بشكل إسبوعي فى جريدة الأهرام عام 1994 تحت عنوان أصداء السيرة الذاتية ثم تم جمعها فى كتاب واحد فيما بعد
عندما تقرأ هذا الكتاب البديع تشعر أنك فى حضرة روح رجل تقدم به العمر فزينت الأيام قلبه بالحكمة وعقله بالرجاحة وقلمه بالجمال ، رجل ذاب في الدنيا وذابت الدنيا فيه ، تشعر أنك تلمس بقلبك ملمس تجاعيد الوجه المهيب وروعة المعاني وسلاسة الأسلوب ، إنها ملخص التجربة وخلاصة الحياة وعصير الأيام وعصارة الحكمة لرجل يدرك ان ما هو آت من العمر لن يكون أطول مما مضى منه ، وأن المستقبل لن يكون بقوة الماضي ، فيهديك جرعة مكثفة من أيام حياته الحافلة
إنها تجليات الأديب الكبير صاحب القلم الثري الموهوب الذي كتب وأبدع وعُرف ونال شهرة واسعة ، هذه الأصداء مثل أمواج المشاعر العذبة التي تجعلك تفكر بقلبك وتشعر بعقلك ، لتحملك هذه الأمواج فى ترنح عجيب بين الماضي والحاضر .. الخير والشر .. العدل والظلم .. الحب والكراهية .. النور والظلام .. الأُنس والفقد .. البداية و النهاية .. الحياة والموت .. الدنيا والآخرة .
لا تعتبر “أصداء السيرة الذاتية ” سيرة ذاتية لنجيب محفوظ ، فقد رفض أن يكتب سيرته الذاتية مبرراً ذلك بقوله : “هناك عشرات المقابلات معي في مختلف وسائل الإعلام و لا حاجة توجد لكتابة سيرتي الذاتي” ، ولكننا نجد حياته موجودة ومختزلة فى كل لقطات الأصداء من خلال شخصية ” عبد ربه التائه ” التي ظهرت فى الثلث الأخير من الكتاب
ذلك الرجل الذي كان ينادي ” ولد تائه يا ولاد الحلال ” ولما سُئل عن أوصاف الولد المفقود قال : ” فقدته منذ أكثر من سبعين عاماً فغابت عني جميع أوصافه. فعُرف بعد ربه التائه . وكنا نلقاه فى الطريق أو المقهى أو الكهف ، وفي كهف الصحراء يجتمع بالأصحاب حيث ترمي بهم فرحة المناجاة في غيبوبة النشوات ، فحق عليهم أن يوصفوا بالسكارى وأن يسمى كهفهم بالخمارة . ومنذ عرفته داومت على لقائه ما وسعنى الوقت وأذن لي الفراغ ، وإن فى صحبته مسرة ، وفي كلامه متعة ، وإن استعصى على العقل أحياناً. “
هكذا كان التعريف المناسب للشخصية الممثلة لذاته ، ثم يخرج لنا عبد ربه التائه بكلامه الحكيم الممتع والمفيد على مدار الكتاب ، عن طريق حوار تخيلي بين الراوي والشيخ عبد ربه التائه، فتجده يحدثك تارة عن السياسة عندما يقول: “سألت الشيخ عبد ربه التائه : متى يصلح حال البلد؟ ، فأجاب : عندما يؤمن أهلها بأن عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة “
ويحدثك عن الرحمة تارة أخرى قائلاً : “سألت الشيخ عبد ربه التائه: كيف لتلك الحوادث أن تقع فى عالم هو من صنع رحمن رحيم؟ .. فأجاب بهدوء : لولا أنه رحمن رحيم ما وقعت ! ” ، ثم يحدثك عن الشكر قائلاً: “قال الشيخ عبد ربه التائه: الحمد لله الذي أنقذنا وجوده من العبث فى الدنيا ومن الفناء فى الآخر”
ويحدثك عن الدنيا والآخرة قائلاً: “قال الشيخ عبد ربه التائه: إذا أحببت الدنيا بصدق ، أحبتك الآخرة بجدارة ” ، ويحدثك عن معنى الحياة قائلاً: “قال الشيخ عبد ربه التائه: جاءني قوم وقالوا إنهم قرروا التوقف حتى يعرفوا معنى الحياة ، فقلت لهم تحركوا دون إبطاء ، فالمعنى كامن فى الحركة” ، ثم يحدثك عن الموت قائلاً: ” عندما يلم الموت بالآخر ، يذكرنا بأننا مازلنا نمرح فى نعمة الحياة ” .
لا شك فى وجود غموض فى بعض الأصداء ، ولكنه غموض باعث على التفكر والتأمل والتدبر، كما قد تصيبك الحيرة عند قراءة هذه الأصداء ، فتارة تشعر أنك أمام نص فلسفي عقلاني مُحكم كُتب على يد أحد كبار الفلاسفة ، ثم ما تلبث أن تشعر أنك أمام نص صوفي روحاني صافي كُتب على يد أحد كبار أعلام الصوفية ، ذلك التأرجح بين العقل والروح أو المادة وما وراء المادة بإسلوب سلس بسيط يخلو تماماً من التعقيد ويقترب من النفس البشرية
ورغم أن هذه الأصداء لم تحظى بالشهرة التي حظيت بها أعماله الأخرى إلا إن النقاد وجدوا أن أصداء السيرة الذاتية تعتبر من أهم ما كتب وتمثل خلاصة فنه و تجربته و خبرته ، لذلك أدعوك صديقي خصوصاً ونحن نحتفي بئموية نجيب محفوظ أن تقراءة هذا الكتاب لتسمتع وتتعلم .. وتندهش!
شجعني جدا على قراءة كتب السيرة الذاتية وأعجبت بإلحاحه على الناجحين لكتابة سيرتهم الذاتية ، فكرة رائعة لا يهتم بها سوى شخص محب للإنسانية وخدمتها بأي وسيلة ، كما أعجبني فصل: (كيف تأكل بطاطس وتصبح أديباً عظيماً) وسأحاول العمل بنصيحته بأن أحيا بالأمل .. كما أعجبت بفصل ( كن عبقرياً وأصنع ما شئت ) .. الذى تحدث فيه عن كتاب يوميات للفنان الأسباني العالمي ( سلفادور دالي ) يسرد غرائبه وشطحاطه وتقاليعه الغريبة والمدهشة وعلاقته العجيبة بزوجته (جالا) التي كان يعتبرها كنزه الثمين .. فصل يستحق القراءة دون شك
أحب كتب عبد الوهاب مطاوع وكنت أتمنى لو أعرفه شخصياً لأنه إنسان رائع قبل أن يكون كاتب بديع ، إختتم الكتاب بقوله:( وما أجمل أن يجئ يوم - ولو فى أحلام اليقظة - يحل فيه السلام والمحبة بين جميع البشر - بغير إستثناء !) .. وهذه الجملة وحدها كفيلة بتوضيح كم الجمال الإنساني الذى يحمله قلب هذا الرجل رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته
هي تقارير ليست كما عرفناه وتعودنا عليه من التقراير ، أظنها تقارير عن الواقع والحياة ، عن الأفكار ، عن الروح ، عن الزمن ، عن الآلام والآمال ، عن الحزن والفرح .. لا أدري بالتحديد ، هي مجموعة تقارير مختلفة من سيدة أفصحت فقط عن الحرف الأول من إسمها – تُرى هل هي ذاتها رضوى عاشور الكاتبة؟!! – ولكن تقاريرها لا تحتاج إلى قارئ متعجل يبحث عن المعلومة أو المعنى المباشر للكلمة ، بل تبحث عن القارئ صاحب القدرة على قراءة ما بين السطور والحروف والمعاني
أعجبني كم التركيز واليقظة التي تحتاجها هذه التقارير لقرائتها ، فهي برغم بساطتها وقلة صفحاتها إلا إنها غاية فى العمق ، فيأخذك تقرير منهم إلى معاني فلسفية غاية فى العمق فى ( مراكيب السيدة راء ) فتدعك تتخيل أنها تقصد المركوب ( حذاء القدم ) ثم تسارع إلى تصحيح فهمك فتخبرك أنها تقصد السيارة التي تذهب بها للعمل ثم تأخذك لخيال أرحب وأكثر خصوبة فتجعلك تفكر فى المركوب الزمني ، مركوب الأيام والشهور والسنين (( عندما تستيقظ راء من نومها فتركب اليوم فينقلها من الصباح إلى المساء ، كما تركب أيها القارئ الكريم الأتوبيس من العباسية إلى باب الحديد )) فتقضي طول عمرك فى المركوب اليومي من صباح الخير إلى تصبحون على خير !
وفى تقرير الجنازة تستطعم معها لون وإسلوب أدبي مختلف عن طبيعة كتابات د. رضوى عاشور ، فهو ساخر إلى حد البكاء فى وصف جنازات بعص الروؤساء العرب فلا تدري هل تضحك على المشهد الجنائزي المُهين أم تبكي الواقع العربي المُشين
فى (بستان السيدة راء) أمتعتني بصدق ، وفي (قتل نظيف) جرحتني بعمق ، وفي (تقرير السيدة راء عن رحلتها إلى اسبانيا) ذكرتني بأحب الشخصيات الأدبية إلى قلبي على الإطلاق ، توأم روحي مريمة ، وأبو جعفر الورّاق وسليمة .. أعادتني لروح ثلاثية غرناطة العبقرية ولأنقاض غرناطة فى الألفية الثالثة
لا يجوز أن أرشح هذه التقارير للقراءة مرة وفقط ، فهي مُرشحة بقوة للقراءة أكثر من مرة وللتفكير العميق فيما وراء كل تقرير
عزازيل .. الرواية الحاصلة على الجائزة العالمية للرواية العربية كأفضل رواية عربية لعام 2009 .. رواية مُدهشة تستمد روعتها وقوتها من روعة إسلوب الكاتب السلس البسيط للغاية ، والذى أرجعنى منذ قراءة الصفحات الأولى لشعور الطفل الذى يتعلم العوم فى صغره لأول مرة ووجد من يأخذ بيده بسهولة ويسر حتى يدخله هذا البحر العظيم الهائل الغامض .. البحر المسيحي الكنسي القديم ، فالأمر لم يكن حديثاً بحيث يفهمه ويستوعبه الجميع ولكنه كان فى القرن الخامس الميلادي
أعتقد إن لولا عبقرية النص الأدبي وبساطته لما قرأ أحد - من الشباب على وجه الخصوص - هذه الرواية على الإطلاق ، فالبطل هنا لم يكن هيبا الراهب أو الموضوع نفسه ولكن كانت حرفية الكاتب وسهولة كلماته والتي كانت بمثابة الجسر الذي إستطاع الكاتب من خلاله أن يصل بهذا الموضوع الشائك للجميع
عندما تقرأ عزازيل فأنت ستطأ أرض لم تطأها من قبل ، وستعرف معلومات لم تكن على علم أو إهتمام بها من قبل ، ستعيش حياة أشخاص كان من الصعب بل من المستحيل تخيل نفسك مكانهم من قبل
أنت أمام كواليس الديانة المسيحية فى العصر القديم من خلال راهب مصري مسيحي يعيش فى صراع دائم بين إنسانيته وحبه للدنيا وبين حبه للدين وكونه راهب ، أعجبت بالأفكار العميقة جداً التي كانت تطرح فى هذا الزمن والخلاف حول طبيعة المسيح والتي لم أكن على علم بوجودها فى المسيحية من الأساس ، إشكالية الشك واليقين والفلسفة والتدين والتشدد والتعصب وتقبل الآخر والتصالح مع النفس والحياة .. عالم الكواليس الدينية والذي أعتقد إنه لا يعبر عن عصر منصرم أو حتى ديانة بعينها وفقط
وعلى عكس كل الكتابات الحديثة التي تتغزل فى روعة وجمال مدينة الإسكندرية ، هذه الرواية جعلتني أرى هذه المدينة من زاوية أخرى مخيفة كلما تذكرت الميتة البشعة لهيباتيا أستاذة الزمان فى طرقاتها .. كما إستمتعت فى نهاية الرواية بالوصف الرائع لجمال مارتا الحبيبة الأخيرة
هذه الرقائق كانت أكثر ما تذكرني بتدويناتنا اليومية فى المدونات .. تُرى هل سيعثر عليها يوماً ما من يغزلها لتصنع عملاً أدبياً عبقرياً كعزازيل؟
قرأت هذه الحكايا الساخرة واحدة تلو الأخرى من خلال مدونة عايزة اتجوز .. والتي ما إن إكتشفتها حتى إلتزمت بمتابعة كل جديد بها حتى إننى أتذكر إنها عندما كانت تكتب بوست جديد كان هذا البوست يعتبر حديث كل المدونين وقتها ، مواضيع ساخرة وحقيقية وواقعية وصادمة فى نفس الوقت
أحببت المدونة وموضوعاتها أكثر من الكتاب ومن المسلسل ، لأن المدونة حافظت على الإطار العالم الساخر والصريح الملائم على فتاة تحكي وتفضفض من خلال مدونة ، إنتظار الموضوع الجديد وإمكانية التعليق عليه والتواصل مع الكاتبة ذات الإسم الحركي الجميل ( برايد ) كان جزء لا يتجزأ من متعة قرائتها
لا أدري أين غادة الآن ولماذا تركت الكتابة فى المدونة وقرائها .. هل كانت مدونة عايزة أتجوز مجرد فكرة كتاب أو مسلسل ولن تعود للكتابة فيها مرة أخرى؟ ماذا عن مدونة جديدة تطل لنا من خلالها غادة المدونة الإنسانة التي عرفناها وأحببناها بعيداَ عن ( برايد ) العروسة التي إبتعدت عن المدونة وفضلت الكتاب والمسلسل؟
تساؤلات كثيرة تنامت فى ذهني مع الوقت ومع إفتقادي لمدونة عايزة أتجوز .. عموماَ أنصح من لم يقرأ المدونة أن يقرأ الكتاب ولا أنصح الإثنين بمشاهدة المسلسل على أي حال
ضحك مجروح هو أنسب إسم لهذا الكتاب الساخر ، وهو بالتحديد ما سيتركه الكتاب من أثر فى نفسك أثناء وبعد القراءة .. سيجعلك تضحك بشدة ولكن ضحك مجروح على جرحنا المصري العميق المفضوح والذى لا يخفى على جارحينا على وجه الخصوص ، بدأ الجرح معي من صورة الغلاف لهذا البائس الذى حاول أن يهذب ذقنه فجرحها ووقف ينظر لنا نظرة بها كثير من الألم والقهر والظلم فى آن واحد .. وكأنه نموذج مختصر للشعب المصري الملطخ بالدماء النفسية والحسية جراء هذا العصر العجيب ، وكأن ماكينة الحلاقة الملطخة بالدماء فى يده هي الحكومة وسياسات وقرارات أصحاب السلطة والقرار الذين جرحوا أهلها بدلاَ من أن يعطوهم الحق فى حياة أحلى
ثم حوض غسيل الوجه به آثار متبقية من دماء نموذج الشعب وهو يذهب إلى الصرف الصحي تاركاً الحياة العلنية وغارقاً فى بحار الظلمات النفسية فيظل المواطن يعيش مبتسماً ظاهرياً وفى داخله أنهار من دماء الظلم والقهر والإهمال والفقر والجهل .. ثم صنبور المياه الذي يقطر نقاط شعرية ( وكم ذا بمصر من المضحكات .. ) ويترك تكملة البيت الشعري لدم المواطن الذى سينتهي به الحال فى الصرف الصحي النفسي المصري
بمناسبة العيد أذكر لك بعض ما جاء فى مقالة بعنوان ( بصراحة .. ما الفرق بينك وبين دكر البط؟) حيث قال:تخيل موقفك مثلا لو قررت أن تذهب يوم العيد إلى جنينة الحيوانات ، لا أعني التي نعيش فيها الآن ، أقصد جنينة الحيوانات بالجيزة وقد قررت بمناسبة العيد ، آه صحيح كل سنة وانت طيب ، أن تفسح زوجتك أو خطيبتك أو حبيبتك أو الحتة بتاعتك أياً كان توصيفها ، تقف فرحاناً بنفسك فارداً قلوعك على الزرافة وأنت توكلها ، أو عمال تتريق على الخرتيت ، أو تقوم بممارسة ميولك السادية على القرود ، تخيل لو فجأة أنطق الله أحد هؤلاء وسألك:مش مكسوف من نفسك جاي تتشطر علينا .. إيه الفرق بينك وبينا .. القفص يعني يا قفص ؟ .. طب ما إنت لو جيت مكاننا هتحس إن اللى زيك هم اللى فى القفص .. عاملنا فرجة وإنت لا تقدر تقول لا لأهلك ، ولا لأستاتذتك ولا لرؤساءك ، ولا لأمين الشرطة اللى ممكن يضربك على قفاك ، ولا لصاحب النفوذ اللى ممكن يدوسك بقلب جامد لإنه عارف ديتك ، ولا للحاكم بتاعك اللى لا أنت عارف هو عمل كدة ليه ولا ما عملش كدة ليه .. يا شيخ إتنيل وخد العبيطة اللى إنت فرحان بيها وروحوا إقرفوا حد غيرنا
كما يفضح جروحنا ( فى رثاء الكالسيوم) فيقول:من ييجي خمسة عشر عامًا كنت أقول لأصدقائي الحالمين بأن يصحوا من النوم على وجه حاكم أفضل، أو وجه حاكم آخر والسلام ، « لن يسقط نظام مبارك إلا بعد أن تسقط أسناني » ، وهذي أسناني قد سقطت، فاللهم لا اعتراض على حكمتك في توزيع الكالسيوم
ضحك مجروح آخر (إثر حادث بطيخ ) فيقول:يا سبحان الله ، معقولة ؟ أنا الذى ما فى جسدي إلا موضع لسندوتش كبدة كلاب أو أثر لسجق مشبوه النسب أو طعنة من سيخ لحم تغير طعمه ولونه ، أو رشفه من تمر هندي آسن ، أرقد على فراشي كما يرقد البعير إثر أكلة بطيخ . فلا نامت أعين الفكهانية
وإستمتعت بـ( إسكندريتي ) والذى حكى فيه عن ذكرياته فى الإسكندرية وحبه وعشقه لها وأيام الطفولة والمراهقة وأيام زمان - التي دائماً ما نشعر بحنين تجاهها حتى وإن كانت أسوأ أيام حياتنا - فقال عنها فى نهاية المقال: يا سلام على أيام زمان ، الله لا يعودها
اعجبت بإسم الكتاب وفكرته .. السكان الأصليين لمصر .. فكرة إن البلد مقسومة لنصفين نصف للأغنياء واصحاب السلطة ونصف للشعب المغلوب على أمره ، فكرة نعيشها كل يوم مع قرارات الوزير الفلاني أو تصريحات المسئول العلاني .. ومهما كانت قراراتهم وتصريحاتهم بعيدة كل البعد عن رغبة ومصلحة الشعب الحقيقية إلا إنها تطبق كما لو كانت البلد بلدهم وحدهم وليس لنا فيها أي شئ
من أبسط الأمثلة على هذه الفكرة قرار تغيير الساعة .. أغلب الشعب يرفضها رفضاً تاماً ومع ذلك تطبق رغم أنف الجميع ، ورغم إن القرار بعودة التوقيت الشتوي أثناء شهر رمضان – ذروة الصيف – ثم العودة للتوقيت الصيفي بعد رمضان كان أشبه بالنكتة البايخة او درب من دروب الجنون بالفعل إلا إنه سيطبق رغم أنوفنا جميعاً وستضرب الدولة برغباتنا عرض الحائط وكأننا مواطنين ننتمي لدولة أخرى لا علاقة لها بمصر
أتركك مع بعض كلمات الكتاب
مشكلتي الثانية هي أنني أشعر بأكلان فظيع في ضهري، لا أدري هل سببه الحشرات التي يقسم زملائي أنها أقدم في المستشفى من بهيرة كبيرة الممرضات، أم سببه رقودي على السرير على وضع واحد كل هذا الوقت، مع أن التغيير سنة الحياة، نبهني عم عبد البديع إلى التباس الجملة الأخيرة وكونها يمكن أن تسوء موقفي في القضية، لكني أقسم لسيادتك أني لا أقصد منها شيء سوى أني فعلا أريد أن أمارس حقي الدستوري في الهرش وتغيير وضع رقودي على السرير، فانا لست دولة تستحمل أن تعيش ربع قرن على وضع واحد دون أن تتغير، أنا بشر ضعيف خلقت من تراب وسففت التراب ويلزمني بين الحين والآخر أن أتقلب على الجنبين، فهل هذا كثير علي سيادتك؟!ا
لا أدري كيف مر رمضان أعوام وأعوام عليّ دون قراءة او حتى معرفة هذا الكتاب ، عرفته من خلال ترشيح الأستاذ بلال فضل له من خلال برنامج عصير الكتب موضحاً إنه من الكتب البديعة التي لها علاقة بشهر رمضان ، الكتاب بسيط وسهل اللغة ولكنه عميق ومهم فى نفس الوقت .. لا أعتقد إنها ستكون المرة الأولى لقرائته .. أتمنى لو أحصل على نسخة ورقية منه حتى أعاود قرائته فى كل شهر رمضان يطيل الله فى عمري لأشهده .. فقد شعرت هذا العام برمضان كما لم أشعر به من قبل بفضل هذا الكتاب الرائع .. أرشحه للقراءة بقوة
- كل واحد منا قارة مجهولة تماماً ، وداخله أعماق لا تدري أبداً متى تنتهي .. كل إنسان منا بلا نهاية كالكون
- أغرب الغرباء من صار غريباً فى وطنه
- الإنسان هو المخلوق الوحيد الذى صنع من الصلصال .. والصلصال هو الطين ، والطين يلتوي تحت ضغط الظروف ، وعندما يلتوي الطين يصبح منظره مضحكاً ومحزناً فى نفس الوقت
- يبدو لي أن هناك سلّماً صعودياً للقيم فى الحياة ، وفى موضع ما من هذا السلم يوجد خط لعله وهمي ، إذا كان المرء تحته فهو ( يوجد ) وإذا كان فوقه فهو ( يحيا )
- صعد الإنسان إلى القمر .. ونزلنا نحن لقمر الدين
- أن نصوم عن ميلنا للأشياء .. أن نتجرد عنها وننخلع منها ونفطر على ذكر الله وحده
- الحكومة لا تأخذ الدين مأخذاً جدياً، بل لعلها تخاف إن بعثت روحه أن تقضي عليها هذه الروح
- الجنس البشري هو الجنس الوحيد الغريب الذى يملك القدرة على الكراهية والحب والغباء والذكاء معاً
- هناك منحنى بالنسبة للعواطف الإنسانية .. تظل العواطف تغوص فى الألم ، وتصعد إلى الفرح ، ثم يصهرها الألم والفرح ، ثم ترتد فجأة إلى الحياد
- حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت ، فلا يبقى لك منك شئ تقيم عليه العتاب
وكم أعجبتني ما ذكر فى الكتاب من أشعار عن شهر رمضان لفؤاد حداد وحسين شفيق المصري ، فضلاً عن إكتشافي - متأخراً للأسف - هذا الكاتب الرائع المبدع الغير عادي صاحب الإسلوب السهل الممتنع .. أحمد بهجت
رابط تحميل الكتاب هنا صفحة الكتاب على موقع جود ريدز هنا
لن تشعر بمتعة وجمال وقيمة هذه الرواية إلا عند الوصول لنهايتها ، وانت بالمناسبة لن تتوقف إلا عند تكملة قرائتها حتى النهاية ، روعة هذه الرواية ليست فى الإثارة والأحداث المشوقة التي تجذبك لتقرأ وترضي فضولك حتى تصل للنهاية ، لكن روعتها تكمن فى هذا الإحساس الخفى العجيب الذى سينفذ إلى قلبك ويقوى ويكبر مع كل صفحة جديدة فى الرواية ، إحساس يصعب وصفه ولكنه مزيج من الفقد والحزن والحنين والألم والحب والسعادة والهدوء ، فقد نسج علاء خالد من شخصيات الأجيال الخمسة حياة كاملة فى ذاكرته لم تتركه ولم ينساها حتى وإن ماتت وذهبت إلى الأبد .. إنه الشعور الغريب المتداخل بالحب للأشخاص والأماكن والشوارع والحوانيت والبيوت وأصحابها وحكايتهم جميعاً ، هي مؤلمة بالفعل وهذا ما وصلني منها بالفعل ، ولكن هذا الألم كان خفيفاً كريشة طائر تنتقل بهدوء من مكان إلى آخر .. فى قلوبنا !
آآآآه من الولد الشقي الذي أحببته بل عشقته بعد قراءة هذا الكتاب، نصحوني أن أبدأ بقراءة هذا الكتاب لأنني لم أقرأ من قبل له كتابات ساخرة أبداً ولكنه إختيار وترشيح جيد جداً إن كنت تريد أن تتعرف على هذا الساخر منذ طفولته حتى شبابه
ما هذه المغامرات والشقاوة ومن أين آتى بخفة الدم هذه ، تجارب كثيرة خاضها فى طفولته قد تكون السبب فى ثراء شخصيته وكتاباته بعد ذلك ، غير أن الكتاب لا يقدم الشقاوة والمغامرات والضحك وفقط بل يقدم أيضاً معلومة مهمة جداً كانت جزء من حياة هذا الكاتب الكبير .. القراءة .. إن كنت تريد أن تصبح كاتب جيد فيجب أن تقرأ أكثر مما تكتب كما قال عميد الأدب العربي طه حسين ، وأظن إن هذا بالظبط ما فعله الراحل محمود السعدني فقد كان يلتهم الكتب بنهم وبحب ، حتى إنه تمنى فى آخر الكتاب ألا يموت قبل 90 عام حتى يستطيع قراءة أكبر قدر ممكن من الكتب
وكما تعلمون أن العلم ليس فى الكتب وفقط بل فى التجارب أيضاً وقد تقدم التجربة لك ما لا تجده فى آلاف الكتب ، وهذا ما لمسته فى شخصية هذا الكاتب الكبير ، حبه للتجربة وإحترامه لكل جوانبها ووجوها المتناقضة ، سعيد بالتجربة للتجربة فى حد ذاتها وتأثيرها فى شخصيته بالسلب أو الإيجاب ، لذلك لم تكن كتابات هذا الكاتب الرائع محض قراءة وموهبة وفقط ، بل وتجارب إنسانية كثيرة أيضاً
من منا لم يتعلق بليالي ألف ليلة وليلة ويعشق حكايا شهرزاد لشهريار سواء فى كتاب أو إذاعة أو تليفزيون؟ مسرور السياف وصياح الديك و"وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح " بصوت الفنانة زوزو نبيل المميز فى رمضان ، كلها مفردات عايشناها وأحببناها وتربينا عليها ، ومع الوقت أصبحت كل هذه العبارات مثل تمائم سحرية علقت بأذهاننا لتذكرنا دائما بأيام الطفولة والصبا والحكايات الممتعة
في رواية "ليالي ألف ليلة" للأديب العالمي نجيب محفوظ أنت في صحبة أرواح وأشكال التمائم القديمة المحببة إلى نفسك ، روح الحكاية القديمة وأجوائها وأشخاصها وشوارعها وحكاويها لكن بفكر آخر .. تجول الرواية فى أجواء أفكار وتساؤلات وإفتراضات مختلفة عن القصة التراثية المعروفة ، فماذا بعد حواديت شهرزاد؟ وماذا وراء هذه الحكايات؟ هل كانت شهرزاد تحب شهريار؟ وكيف هو حال شهريار حاكم البلاد؟ كيف يحكم البلاد؟ وماذا عن رجال الدولة؟ بل كيف هو حال الرعايا فى ظل الحكم المستبد لهؤلاء؟ وماهو تأثير أفاعيل الجن والعفاريت على تغير مسار الشخصيات والأحداث؟
يعرض لنا نجيب محفوظ من خلال هذه الرواية إمتداداً جديداً لحكايا ألف ليلة وليلة له نفس رائحتها وأشكالها ولكن بطعم الحاضر الملموس ونبؤات المستقبل القريب ، تنساب هذه الأفكار المتعددة إلى نفسك من خلال رقة وسلاسة اسلوب نجيب محفوظ وطريقة سرده الممتعة والمتتابعة والهادئة فى نفس الوقت ، فهي رواية بديعة بحق تجذبك إلى عالمها الرحب الثري المثير ، حتى إنك لن تستطيع أن تترك الكتاب من يدك إلا عند الوصول إلى آخر صفحة فى الرواية ، وربما تشعر بالحزن لإنتهاء هذه اللحظات الممتعة مع الرواية سريعاً
لم يكن كل هذا النجاح الذى حققته هذه الرواية أمراً من قبيل المصادفة ، هذا النجاح الذى لم يكن يتوقعه أحد عندما نشرت هذه الرواية لأول مرة عام 1988 ولم تحقق أى نجاح ولم توزع أكثر من 900 نسخة حتى أن الناشر البرازيلي قرر ألا يعيد طباعتها مرة أخرى ، ويُكتب لها الظهور مرة أخرى عندما تبنى الرواية ناشر آخر وقرر أن يعيد نشرها بعد عامين ، ومنذ هذا الوقت وهذه الرواية تتصدر كل الكتب البرازيلية المبيعة فى حينها وحتى الآن ، حيث أنها ترجمت إلى 67 لغة مما جعلها تدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية لأكثر كتاب مترجم لمؤلف على قيد الحياة ، كما بيع منها 65 مليون نسخة فى أكثر من 150 بلداً مما جعلها من أكثر الكتب البرازيلية مبيعاً على مر التاريخ .
السيميائي رواية عبقرية لا تتجاوز الـ181 صفحة ولكنها تبحر بتعمق شديد فى النفس البشرية الحالمة بأهدافها والمواجهة لطموحاتها بعيدة المنال ولكنها ليست مستحيلة ، تكمن عبقرية هذه الرواية فى البساطة والحكمة والعمق فى آنٍ واحد ، تدور أحداث الرواية حول "سانتياجو" راعي الأغنام الأسباني الذي يذهب فى رحلة للبحث عن تحقيق حلمه بالعثور علي الكنز المدفون قرب أهرامات الجيزة فى مصر ، وتمضي معك الرواية داخل هذه الرحلة المليئة بالعبر والمواقف الرمزية الإنسانية لكل من يطمح فى تحقيق هدف ما فى حياته ، ويبقى البطل حائراً أمام خيارين لا ثالث لهم إما ان يظل كما هو فى حياته العادية – بعيداً عن الهدف – من إستقرار فى بلده والرضا بعمله والعالم الذى تعود عليه بدون مغامرة فى رحلة غير مضمونة النتائج ، وإما ان يخوض التجربة ويمضي فى طريق تحقيق ذاته يشد الرحال ويخرق جدران الليالي والأيام ليبحث بحثاً حثيثاً على كنزه وحلمه وهدفه الذى يوازي البحث عن الذات وتحقيقها من خلال ما أسماه الكاتب بـ"الأسطورة الذاتية".ـ
و"الأسطورة الذاتية" ماهي إلا هدف الإنسان من حياته الذي يدركه عادةً فى مرحلة الشباب وتقوم قوى غامضة بمحاولة صرفه عن تحقيق هذا الهدف من خلال عقبات كثيرة تحول بينه وبين حلمه ولكن إذا ما إستطاع الإنسان أن يلتزم بطريق تحقيق هذا الحلم بحق وجدية فإن العالم بأسره يتآمر معه لكي يحقق له هذا الهدف طالما إستطاع أن يقهر هذه العقبات بشجاعة وإصرار على النجاح. ومن خلال هذه الرحلة يعلمنا الكاتب بحكمة وهدوء كيف يستطيع كل منا ان يهزم هذه العقبات وكيف يمكن ان تتآمر الحياة لصالحنا وتساعدنا فى تحقيق أحلامنا ، وكيف ننظر إلى الأشياء والتفاصيل البسيطة جداً التي تحدث فى حياتنا كل دقيقة وكل ساعة بنظرة متعمقة ومستوعبة أكثر لما وراء هذه التفصيلات التي تبدو بسيطة وهي فى منتهى العمق والحكمة ، وما رحلة " سانتياجو" فى البحث عن ذاته إلا رحلة تعليمية شيقة وممتعة للقارئ فلا تخلوا صفحة بل لا يخلوا سطر واحد من حكمة ودروس جديدة بسيطة وقوية ومفيدة لكل إنسان فى كل زمان أو مكان.
كتب هذه الرواية الروائى البرازيلي " باولو كويليو " هذا الرجل الذي يحترف العزف على أوتار النفوس ، ولعله حاول من خلال هذه الرواية ان يجسد لنا عبر الكلمات رحلته الذاتية نحو هذا النجاح الكبير ككاتب حيث يقول فى أحد اللقاءات الصحفية : "إن رواية السيميائي هي استعارة من حياتي. لقد كتبتها عام 1988، في هذا الوقت كنت سعيدًا بالأشياء التي كنت أعملها. كنت أعمل شيئًا يعطيني الطعام والماء. وكما الاستعارة في كتابي : كنت أشتغل وكان لدي الشخص الذي أحب وكان لدي المال ولكني لم أحقق حلمي. حلمي الذي كان، ولا يزال، بأن أصبح كاتبًا" .ـ
ومما يزيد الرواية جمالاً على جمال هو أن من قام بترجمتها للغة العربية هو الكاتب والروائي المصري الكبيربهاء طاهر الذي قال فى مقدمة الطبعة الأولى للرواية المترجمة والتي أسماها " ساحر الصحراء" الصادرة عن دار الهلال سنة 1996: " وكلمة الكنز هي المدخل الصحيح لرواية " السيميائي" فهي بإختصار شديد رحلة أخرى من رحلات البحث عن الكنوز التي قرأناها فى الروايات وشاهدناها على الشاشة ، مع شئ من الإختلاف ! ، فالبحث عن الكنز هذه المرة ليس مغامرة إثارة ، نتابع فيها الأحداث المشوقة ، بحيث نتطلع فى لهفة إلى ما تحمله لنا الصفحات التالية من مفاجآت ، هذه المرة نحن فى رحلة بحث عن كنز حقيقي قيل إنه مخبوء فى الصحراء بالقرب من أهرام الجيزة ذاتها ، ولكن الرحلة التي تقود الشاب الباحث عن الكنز من الأندلس عبر الصحراء هى رحلة فى داخل النفس أولاً قبل أن تكون فى دروب الصحراء ، نحن بإختصار أمام رواية فلسفية مثل "حي بن يقظان" لابن طفيل أو " الأمير الصغير" ، ومثلهما هي أيضاً مبذولة للجميع للكبار وللصغار على حد السواء ، لكل أن يستمتع بها فى ذاتها ، ولكل أن يستشف من طبقات المعنى فيها ما يستطيع" .ـ ومن العجيب أنه قبل نشر رواية " السيميائي" بثلاث سنوات نشر الأستاذ بهاء طاهر رواية له بعنوان "أنا الملك جئت " لم تترجم إلى أى لغة وهي أيضا رحلة بحث عن الذات فى الصحراء ويتساءل الأستاذ بهاء فى آخر سطور المقدمة التي كتبها عن " السيميائي" :"كيف اتفق أن توجد – دون معرفة ولا لقاء – مواقف متطابقة فى العملين ، وفي بعض الأحيان نفس العبارات ؟ .. سؤال أطرحه على روح العالم !" ا
نحن إذن أمام رواية فلسفية يجب على أى إنسان يريد أن يحقق أى نجاح يُذكر فى حياته أن يقرأها ويتدبرها فهو يحتاج لها كثيراً ، وما أشد حاجاتنا إلى قراءة رواية تدعو إلى الأمل والتفاؤل فى وقت أصبح فيه التفاؤل سلعة بائرة لا يطلبها أحد ، ولعلي احلم بأن تصبح مقررة على الطلبة فى المدارس أو الجامعات فهي بحق رواية تستحق القراءة لمرات ومرات ، فكلما قرأت هذه الرواية تعجبت من مصدر سحرها هذا ، هل هو سحر الرواية أم سحر الترجمة أم سحر الصحراء؟ .. سؤال أود طرحه على روح العالم!!ا
كتاب ترددت كثيراً قبل قرائته ، هذا التردد الذي دائما ما تشعر به عندما تجد أن حجم الكتاب كبير أو إنك لم تقرأ أي عمل للكاتب من قبل ، مغامرة جديدة بلا شك ولها رهبتها ، ولكني سميت الله وبدأت قراءة الكتاب وليس فى ذهني سوى بعض التأكيدات على جمال الكتاب من زوجي وفكرة انه 340 صفحة لا تغيب عن بالي أبداً
دائماً لا اهتم بالمقدمة ، دائما ما احب ان ادخل فى صلب الموضوع مباشرة وبلا أي مقدامات ولكن الفضول أخذني لأقرأ مقدمة أنيس منصور لكتاب سناء البيسي – مع حفظ الألقاب طبعا – ويالها من مقدمة رائعة لكتاب أروع
المقدمة بعنوان: شئ لا تراه العصافير .. يقصد بذلك الشئ أسلوب سناء البيسي وهو ما ميزها عن كل من قرأت لهم بالفعل ، فتحدث وأفاض ووصف فى جمال أسلوبها وثرواتها اللغوية وموسيقاها السجعية وصورها البلاغية ، فعندها ثروة لغوية " تلضمها" فى كل شئ تراه وتلمسه ولذلك فكل شئ له صفة .. هذه الصفة: لون .. صوت .. حركة
وهنا أقتبس بعض ما جاء فى مقدمة الكتاب
ومشاعر سناء البيسي لا تلويها يميناً أو شمالاً وإنما هي مثل جراح ثابت اليد .. يقطع ويدمي ويرتب كل الأطراف والغدد التي قطعها ويضع لها أسماءها بدقة وهدوء ووعي ، وهي لا تعطف على مريض أو طبيب .. أو فقير أو مسكين فقط إنها تلتقط صورته الواضحة وتحتفظ بها .. إنها كاميرا .. ميكروسكوب .. تلسكوب .. تقترب من أشيائها بحساب وتسجل اللون والمسافة والحركة ولا تزال تدنو حتى ترتطم رأسك – أنت القارئ – باللوحة فتصحو على النهاية: حادثة .. رصاص .. شئ ينكسر .. إنتهت الحكاية ، أو أنك حين تنظر إلى اللوحة وتقترب مبهوراً بالصور والألوان يخرج لك من رواء اللوحة شئ مدبب .. يضربك فى أنفك فتتراجع وتتوقف وتكون هي قد أطفأت النور وأختفت .. هل ضحكت عليك؟ ، لا ولكنها هكذا .. فهي لا تريد أن تسليك ولا أن تبهرك .. فقط تعرض عليك حكايتها مع الفن أو فنها مع الحكاية وانت حر فى ان تقول: ياه!ا
او تقول: يوه!ا
أما هي فقد قالت وصورت وعزفت وجسدت ثم ذهبت!ا
بهذه المقدمة الشيقة دخلت عالمها السحري والآخاذ والممتع بكل المقاييس ، تشعر مع أول صفحاته أنك على اعتاب قصر ملكة الكلمات والبلاغة والتعبيرات الجمالية ، فنانة جدا .. حريفة كتابة
تنتقل بخفة آسرة بين المواضيع المختلفة فى كتابها " أموت وأفهم" فهي تارة المريضة الضعيفة صاحبة القلب الجديد بعد عملية شاقة بالخارج فى أول موضوعات الكتاب " قلبي الجديد" ، وتارة المرأة المصرية البسيطة التي لا تتأقلم ولا تتجاوب مع الثورة التكنولوجية والمعلوماتية الحديثة مجسدة فى أشهر أشكالها وهو الموبيل من خلال موضوع " إيه ده يا محمول؟!"ا
ومن المواضيع التي أعجبت بها بشدة موضوع بعنوان "تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب" والذي عرضت فيه لمخطوط قديم يحمل العنوان نفسه من تأليف العلامة محمد بن خلف بن المزربان المتوفي عام 306هـ الذي نقل عنه الكثير أبو الفرج الأصفهاني فى كتابه الأغاني والذي كان حافزه الأول لتجميع هذا الكتاب قوله " يقولون الزمان به فساد .. وهم فسدوا ، وما فسد الزمان " ، حيث رأى المؤلف أن الكلاب لا تخون بينما البني آدم تسكنه الخيانة وضرب مثلا على ذلك برجل شاهد فى الصحراء رجلاً متمارضاً فأركبه فرسه وعليها سلاحه وطعامه وشرابه ، فما إن استقر المتمارض على الفرس حتى ضربها هارباً تاركأ رجل المروءة عرضة للموت والضياع ، وكيف نداه صاحب الفرس: لقد وهبتك الفرس وما عليها شرط ألا تُحدث بما صنعت معي .. فرجع الرجل وسأله: لماذا؟ .. فقال صاحب الفرس: حتى لا تضيع المروءة بين الناس !!ا
كما يؤكد ابن المزربان على تفضيل الكلاب على الكثير ممن لبس الثياب بمقطع يقول فيه: "أعزك الله .. أعلم أن الكلب لمن يقتنيه أشفق من الوالد على ولده ، والأخ الشقيق على أخيه وذلك إنه يحرس ربه ويحمي حريمه ، شاهداً وغائباً ونائما ويقظانا ، لا يقصر عن ذلك وإن جفوه ولا يخذلهم وإن خذلوه"ا
ويروى أنه كان لميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كلب يقال ليه " مسمار" ، وكانت إذا حجت خرجت به معها ، فليس يطمع أحد بالقرب من رحلها مه مسمار ، فإذا رجعت جعلته عند بني جديلة وأنفقت عليه ، فلما مات قيل لها: مات مسمار فبكت ، وقالت: فجعت بمسمار ..
إلى آخر ما يحتويه هذا الفصل من أحدايث ومواقف وأقوال مأثورة وأشعار عن الكلاب وفي وصفها وتفضيلها على كثير ممن لبس الثياب !ا
وموضوعها الآخر " لامؤاخذة" الذي تتحدث فيه عن الكلمات الدارجة فى العامية والصحيحة فى اللغة العربية كما قامت فى النهاية بقول فقرة جمعت معظم هذه الكلمات الصحيحة لغوياً والمتداولة عامياً .. الفقرة تقول
والله إني أريد أن أفطفط عن نفسي بأني لست ممن يبوس الأيدي أو يعيش الأونطة أو يعمل طناش على كل من يعلق الشخاشيخ أو يقول معلش أو يكون بمثابة النزناز، فلست بالست الصايعة ، ولا أنا من ترتدي الفستان المكسم أو الشفتشي أو تدق بالساجات .. لهذا فسوف أقوم بكسعمة كل من تسوًّل له نفسه أن يدلدل رجليه على الخلق أو يقربط على مرءوسيه ، فعقابه عندي الشكم والعترسة والخشم والدحدرة والهربدة والبرجلة والضرب على أم رأسه بالمداس .. ولامؤاخذة .. شوبش !ا
وكم أبهرتني قصتها القصيرة "حاجتها إليه" فى العذوبة والرقة والوداعة .. وأعجبت أيضاً بموضوعها القبل الأخير فى الكتاب بعنوان " أصحاب الكراسي" .. كما أعجبتني خاتمة هذه الوجبة المعرفية الممتعة بالموضوع الأخير " الحمد لله" الذي تحدثت فيه قيمة الرضا وقيمة الحمد وقيمة الشكر وقيمة الإيثار كقيم ومعاني للأسف أصبحت نادرة الوجود فى عصرنا الحالي ، وانتقدت إستيراد كل شئ من الخارج حتى القيم والمبادئ الغربية الرأسمالية التي تقوم على أنه لا حد للإشباع ، أي لا تقنع بشئ!ا
ظلت تبهرني برشاقة كلماتها وسلاسة أسلوبها خلال قراءتي لكتابها ذو الـ340 صفحة وكأنها أصرت أن تأخذني فى زمرة معجبيها ومحبين أسلوبها الأدبي وقد نجحت فى ذلك بالفعل فما أن وصلت حتى آخر صفحة فى الكتاب حتى تمنيت لو لم أصل إليها وأنهي هذا العزف المنفرد على أوتار القلب والعقل والروح
ما أجمل ان يكون اول موضوع فى المدونة عن هذا الإنسان والأستاذ والرائع عبد الوهاب مطاوع وكتابه الرائع " أرجوك لا تفهمني " والذي يصفه بأنه قصص إنسانية
ولعلي لا أكون مبالغة إذا لقبته بفارس الإنسانية، ولعلي شعرت بالخجل الشديد لإسم مدونتي الأولى إنسانة والرغبة الملحة لأن أكون على قدر هذا الإسم بالفعل فى كل شئ، فهذا هو أشهر حلالي المشاكل فى الصحافة المصرية يعطيك الوصفة السحرية لعبور جدار أى مشكلة وهي ان تحترم مشكلة الآخر مهما كانت تافهة وقليلة الأهمية بالنسبة لك، أن تحترم الإنسان ومشاعره وعذاباته وتقدرها وتشاركه إحساسه بها بجدية لسبب هام هو ان الإنسان نفسه وكل ما يخصه من شئون وشجون جدير بالإحترام والإهتمام إذن فكيف نهين إنسانيته أو نقهره او نعذبه او نتجاهل آلامه او نستهزئ بها ، وقد إستفاض فى شرح هذه النقطة فى فصل بعنوان الجدران العالية.
فصول الكتاب شيقة ومثيرة للإهتمام ومفيدة بالفعل ولعل أكثرهم مداعبة لعقلي وروحي هو فصل " إنت حكاية كبيرة " حيث يتحدث من خلاله عن إرادة الإنسان وكيف انه بالإرادة وحدها قادر على النجاح والتميز والسعادة وكيف ان الإنسان فى حد ذاته شئ عظيم كرمه الله بالعقل وسخر له كل ما فى الحياة لخدمته وأمر الملائكة بالسجود لجده آدم وهو من أرقى الكائنات الحية وأكرمها على ربه ، فأنت مهما كان شأنك تستحق كل الإحترام لمجرد إنك إنسان ولأنك إنسان بنفخة من روح الله فيك، ويستطيع الإنسان أن يفعل الكثير إلا إذا إستسلم لإحساس العجز والكسل وتفاهة الشأن.
ومن المقولات التي أثرت فيّ بشدة هي جملة الشاعر الألماني جوتة حين وصف نفسه قائلاً: أنا كنجوم السماء لا تمضي فى عجلة ولكنها تسير سيراً دءوباً لا يعرف السكون.
مقولة الكاتب الأمريكي أميرسون: إنه ليس هناك عظماء واشخاص عاديون وإنما هناك أشخاص يلهمون الجذوة المقدسة التي نفخها الله فى أرواحهم فترتفع بهم إلى ما يريدون وآخرون يتركونها تذوى وتذبل ويستسلمون لفشل الروح والعجز والكسل.
أدعوكم لقراءة كتبه كما أدعوكم لإقتنائها وحتى قرائتها أكثر من مرة
ولي مع عبد الوهاب مطاوع حكاية عجيبة، للأسف لم أكن منتبهة له قبل وفاته إلا من خلال بريد الجمعة على فترات متفاوتة وبرنامج لحل المشاكل على الفضائية المصرية وحزنت كثيراُ على انتهاء البرنامج بعد وفاته، كنت أعرفه فى هذه الحدود فقط فلم أقرأ له شيئاً من مؤلفاته، ولكن فى اليوم الذى أدركت فيه حقيقة إبتلائي وحقيقة وضعي الصحي بعد فقدان الإبن وعدت فيه إلى البيت حزينة مكتئبة ضائعة وتائهة، هو نفس اليوم الذي وجدت نفسي أقرأ له "كتاب صديقي لا تأكل نفسك"
وشعرت انه هدية ثمينة بحق فكأنه يكلمني انا وحدي وكأنه يعلم مابي وكأنه قريب جدا من نفسي ومن روحي وكأنه صديق قديم ظهر لي الآن بالذات وفى نفس هذا اليوم الصعب وفى هذا التوقيت بالذات لحكمة من الله، شعرت انه كنز أو هدية جائت لتصبرني وتشد أذري وتربط على كتفى لأصبر وأحتسب وأحمد الله وجاء الكتاب الثاني "أرجوك لا تفهمني" ليدفعني دفعاً نحو النجاح والحياة والتميز والأمل، قررت أستغل الإحباطات والظروف السيئة وأحولها لنافعة مفيدة وأغرق فى العمل النافع حتى وإن كان قراءة الكتب وحثكم لقرائتها لتستفيدو منها وتستمتعوا بها مثلما أستفدت واستمتعت .. دمتم فى صحة وود.