Thursday, August 08, 2013

الضاحكون أيضا يموتون

ما أقسى الأعياد بدون من نحب ، صبيحة يوم العيد اتذكر وجه الضاحك الأسمر وشعره الاسود الناعم الذي تداخل فيه الشعر الأبيض من باب الصحبة الحلوة تحت الطاقية الشبيكة ، يرتدي الجلباب الأبيض بعدما توضأ ثم انشغل في البحث عن مصلية وجلس في الصالة ينتظرنا جميعا

نخرج كلنا ونجلس في العربية الجيب التي تربيت فيها فيدوّرها ويبدأ بالسواقة بإحترافية شديدة كنت اغبطه عليها ، لم اجلس بجوار من يسوق مثله ولا أظنني سأجد ، كان يجري بحرية الطير وبحذر التمساح وكانت حرية الطير تبهجني وتخيفني في آن واحد ، وحذر التمساح يُضحكني ذلك لانه اخبرني ذات مرة ان علاقته بي ( الابنة الصغرى ) - وهو الصعيدي الذي يهابه الجميع -  كالعلاقة بين التمساح والعصفورة ، فالتمساح لا يأكل العصفورة والعصفورة لا تخشى التمساح :) 

ما أجمل الطيران بالعربية صباح العيد وسماع تكبيرات العيد من كل أفراد أسرتك كاملين ، يجد ركنة بعد جهد بالقرب من ميدان مصطفى محمود .. ينفصل النساء عن الرجال ثم نتقابل بعد الصلاة ويبحث بإهتمام شديد عن البلونة الكبيرة - صديقة الأعياد - أم جنيه ، نأخذ البلالين ونكرر الرحلة عودة للبيت وفي هذه المرة يغني فنغني معه 

فطار العيد كان عبارة عن كحك وبسكويت وشاي بلبن + فرحة أبي بالكحك ، يقوله الكعك فآخذ على عاتقي مهمة تصحيح الكلمة: اسمها كحك يا بابا كححححك بالحه ، قول معايا كدة ! فيضحك على لماضة احبها فأحبته هي الأخرى 

بعد الفطار تبدأ مراسم توزيع العيدية على الكل ، يا عاطي العيدية من يعطيك! ثم تبدأ مراسم نفخ البلالين واللعب بها ، يقف هو حارس مرمى في المدخل الفاصل بين الصالون والانتريه ونتناوب نحن شوط البلونة عليه ، مرة أنا ومرة أخي ومرة أختي ، ثم يذهب أخي كحارس مرمى ويشوط أبي البلونة عليه كضربات جزاء بلونية ، حتى يشتكي الجيران من صوت - دبدبتنا على الارض - فيفتح الباب ويرسم على وجهه علامات الانزعاج من شقاوة الاولاد مع وعد بتأديبهمم ويعود بعد ان يغلق الباب فنجلس في هدوء حذر ثم ننفجر جميعا في وصلة ضحك 

أقول العيد يشبهه ولا أقول يشبه هو العيد ، تجسدت فيه البهجة والفرحة والطفولة حتى اصبح العيد هو النظر الى وجهه الضاحك وكفى ، تلك النظرة التي حُرمت منها وحرمت معها بهجة العيد

أرسل لي ليلة العيد بريد إلكتروني يعيد ويسلمّ وانا استمتع بقراءة اسمه وكلماته حتى صحوت وعادت لي الذاكرة البغيضة ، هو لم يرسل لي شئ وانا لن أراه مرة ثانية ! 

اخوتي اخبروني في الهاتف انهم سيذهبون لزيارته اليوم في قبره فلا يكتفي الموت بحرماني من رؤيته مرة فتحرمني غربتي من زيارة قبره مرة بعد مرة 

فليس أمامي الآن سوى خيالي لأراه يقود السيارة بحرية في طريقنا للمدرسة على انغام إذاعة الأغاني وصوت محمد قنديل " تلات سلامات يا واحشني تلات ايام " وانا بجواره فيغني ويندمج مع مقطع " بعادك يا جميل طول وده أول بعاد بيطول "  و يخرج ذراعه من شباك العربية وأخرج ذراعي انا الاخرى من الشباك بجواري ونطير ، اشتري لطفلي بلونة كبيرة وأذهب به لقبر أبي  ليرى كيف اصبح ابني يشبهه لهذه الدرجة وألعب معه بالبلونة ليشاهد بنفسه ما غرسه في قلبي وورثه طفلي من ضحك وبهجة ومرح ، هل يجوز توزيع البلونات على ارواح المبهجين في العيد؟ 

 اهرب من عيون الجميع وابكي وحدي ،  فكيف يبكي من يُضحك وهل يمتلك الضاحكون دموعا؟ اهرب واتخيل واتسآل وابكي ولكن تبقى الحقيقة ثابتة .. الضاحكون أيضا يموتون 

5 comments:

  1. أبكتنى بشجن دافئ !

    ReplyDelete
  2. تدوينة رائعه فعلا ..يسلم قلمك

    دمتى فى ابداع وخير
    وكل سنه وانتى طيبه وعيد سعيد ..:)

    ReplyDelete
  3. ربنا يرحمه ويبارك فى عمرك ويكتب لكم سبحانه وتعالى لقاء فى الجنة

    ReplyDelete
  4. يا سلاااام ..هو لسه في مدونين ؟ وبيكتبوا . اسعدتيني جدا

    ReplyDelete
  5. سنة الحياة أن نفقد من نحب وقد نعيش بعد رحيلهم نتألم
    نحن الذين نتألم للأسف .. أما الراحلون فلا
    نسأل الله أن يهون علينا الدُنيا وأن يجمعنا بهم في الآخرة على خير

    ReplyDelete

الكلمـة نـور .. وبعـض الكلمـات قبـور